خطبة جمعة بعنوان : ضوابط بناء الأسرة وسبل الحفاظ عليها وثمرة تلك الضوابط .


خطبة جمعة بعنوان : ضوابط بناء الأسرة وسبل الحفاظ عليها
وثمرة تلك الضوابط .

الشيخ حمدى على الجهينى
توطئة :
عندمانتأمل حقيقة الاسرة والحياة الزوجية سنجدأنها تتضمن علاقاتٍ متداخلةٍ هائلة ولذاعندما تحدث عنها الوحي الإلهى أشار إلى أنها أحدآيات الله التي تستوجب النظروالتأمل والتفكرفقال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}الروم21.واهتم الاسلام بها اهتماما كبيرا’واهتمام الإسلام الكبير بالأسرة له أسبابه؛ فهي اللبنة القوية التي يبنى بها صرح المجتمع المسلم،وهي المدرسة الإيمانية التي تخرج الأجيال المسلمة’ولأن استقامة العلاقة بين الزوجين هي اللبنة الأولى والأهم في بناء أي مجتمع، وكلما انضبط جوهرالحياة الزوجية بالآداب والقيم الكريمة نتج عن ذلك نُبل سلوكيات أطرافها،مما يؤثر بشكل كبير في المحصلة النهائية للنسيج المجتمعي العام’ فقد حرص أعداء الإسلام أن يفرقوا شملها، ويزعزعوا أركانها؛ لتفقد قدرتها على الإنتاج والعطاء، فأدخلوا باطلهم إليها عبر وسائل كثيرة ولاعجب فى ذلك فغاية مطمع وطموح زعيمهم إبليس لعنة الله عليه هو قتل النفس والتفريق بين الزوجين، فالتفريق بين الزوجين من أعظم ما يفرح به إبليس عند بعثه سراياه كما أخبرالنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، قال ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت) قال الأعمش: أراه قال: فيلتزمه. وكما ذكر تعالى فى كتابه أنّ من عِظم السحر الذى وصف الله فاعله بالكفرما يكون أثره التفريق بين المرء وزوجه؛ فقال تعالى:{وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَوَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡفَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِ} فلم يذكر الله تعالى من أنواع ذلك السحر إلاسحر التفريق بين الزوجين، للتنبيه على خطورته’ فكأنه نبّه بذكر ذلك على أن السحر إذا أمكن به هذا الأمرعلى شدته فغيره به أولى.ولذلك جاء الوعيد الشديد على لسان النبي صلالله عليه وسلم في حق من يفسد الزوجة على زوجها ويخببهاعليه، فقال:(ليس منَّا من خبب امرأة على زوجها أوعبدًا على سيده)رواه أبو داود وغيره. ومعنى خبب: أي أفسد ’ فالشخص الذي يحاول إفساد أسرة،أو يحاول إدخال الفتنة بين زوجين؛ لجعلهما ينفصلان ليس من أمة محمد, ومن لم يكن من النبي صلى الله عليهوسلم وأتباعه فممن يكون ؟.
ضوابط بناء الأسرة فى الاسلام :
لا شك أن مانملكه من منهج إسلامي خصيب من شأنه أن يساعدنا فيما أصبحنا في حاجة ماسة إليه، وهوأن نضع أيدينا على موطن الداء الذي أصاب معظم بيوت المسلمين، فقد أصبحنالانجد بيتاً سعيداً إلافيما ندر،وأضحت البيوت تفتقد إلى الدفء والهناء، وباتت متصدعةً وهشة، يتمنى أحد الزوجين أوكلاهما لواستطاع أن يفارق صاحبه لولا وجود الأبناء,مع أن الإسلام وضع القواعد الحكيمة للحفاظ على الأسرة من الشقاق والشتات وأرسى المبادئ القويمة التي تدرأ عنها المشكلات؛ تلك المشكلات؛ التي تنغص على الزوجين سعادتهما وتذهب بالمودة والسكينة بينهما كما منع الإسلام كل ما من شأنه أن يفرق بين أفرادها،أويعيق الأسرة عن تحقيق أهدافها’ولذلك سيكون مقالنا اليوم عن بيان أمورمهمة لا بد من مراعاتها قبل الزواج وبعده لوقاية الأسرة المسلمة من المشكلات التي ربما أوهنت جدارها، وزعزعت أركانها ومن هذه الأمور:
أولا: حسن الاختيار من الطرفين :
فعلى الرجل أن يتأكد من صلاح المرأة التي ستكون في المستقبل القريب زوجته وأم أطفاله وموضع سره،وليس فى الدنيا فقط بل فى الدنيا والآخرة ’فنحن نتزوج فى الدنيا والأخرة ولهما’ وليس فى الدنيا فقط بمعنى أن زوجتك هذه تلحق بك فى الجنة’إن شاء الله والله يجعلها لك فى صورة الحورالعين,كما قال تعالى:(إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراعُربا أترابا لأصحاب اليمين (الواقعة. ومن أهم الصفات التي ينبغي للمسلم الحرص عليها فيمن سيختارهاصفة التقوى والصلاح، وفي هذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:” تُنكح المرأة لأربع: لدينها ولمالها ولحسبها ولجمالها فاظفر بذات الدين تربت يداك”. قال النووي: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين. وينبغى على المسلم أن يعلم أن تفريطه في التحقق من صفات مخطوبته الدينية والخُلقية سيعرضه إلى مشكلات عظيمة ومصائب جسيمة’فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:(مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا ذُلًّا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا دَنَاءَةً ، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلَّا لِيَغُضَّ بَصَرَهُ أَوْلِيُحْصِنَ فَرْجَهُ أَوْيَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، وَبَارَكَ لَهَا فِيهِ ) رواه الطبراني في الأوسط’ وأبو نعيم في الحلية .
وما يقال عن المرأة يقال أيضاًعن الرجل، فلا بد من التأكد من صلاحه وتقواه والله عز وجل يقول:(وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم..)النور: 32. ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام:”إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”. طيب ليه ؟علشان لوحصلت مشكلة حصل كذا لايُسئ اليها – بسبب تقواه- فقد جاء رجل الى الحسن البصرى فقال: قد خطب أبنتى جماعة فممن من أزوجها. قال ممن يتقي الله. قال لماذا؟ قال:لأنه إذا أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها يعنى اعطاها حقها. متى؟ إن أغضبها فما بالك إن رضى عنها؟ ولأهمية هذا الأمرأجاز الشرع بعض الأمورالمحرمة لتحقيق الوصول الى الخيار المناسب لبيان أهميته الشديدة ,كالغيبة عند سؤال أهل التقوى والصلاح واستشارتهم في أمر الزواج كما فى حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنهاحيث قالت:أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أما معاوية فصعلوك لامال له،وأما أبو الجهم فضراب للنساء”مسلم . فرسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى أحوال كلا الرجلين وذكرعيوبهما فبين أن الأول فقير،والثاني ضراب للنساء. وكذلك النظر: فهو محرم بالقرآن والسنة ولكن أجازه الشرع فى هذا الموضع ليوصل الى المودة والرحمة فكم من الأسرتفككت روابطها وهي في أشهرها الأولى لعدم الوئام القلبي بين الزوج والزوجة ودليل القلب وقائده وبريده النظرولذلك قال صلى الله عليه وسلم للمغيرة وقد خطب امرأة:” انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما قال المغيرة رضي الله عنه: فنظرت إليها، ثم تزوجتها، فما وقعت عندي امرأة بمنزلتها “. فانظر إلى من تريد خطبتها ثم اسأل قلبك بعد ذلك: هل أحببتها أويمكن أن تحبها؟ واحذر أواحذري أن تخادع نفسك أوتستحيي أن تصارح أهلك فهذا أمر فى غاية الأهمية والخطورة. ومن جميل ماقرأت فى أمرحُسن الاختياربين الطرفين ما يُحكى: أن نجم الدين والد صلاح الدين الأيوبى وكان والياعلي مدينة تكريت’ كان يجلس في يوم من الايام ومعه أخوه أسد الدين فقال له أسد الدين ياأخي الا تريد ان تتزوج؟ مارايك في بنت محمد بن ملك شاه أوبنت نظام الملك وزير الخليفة؟ فقال له نجم الدين لا’ لاينفع ان تكون واحدة منهما زوجة لي’ فتعجب أسد الدين وقال له أترفض بنت الخليفة وبنت الوزير؟! فقال نجم الدين له ياأخي إنما اريد امراة تاأخذ بيدي الي الجنة أنجب منها ولدا حتي يشب ويصبح فارسا ليعيد لنا بيت المقدس, فأسد الدين لم يعجبه كلام نجم الدين وقال له من أين لك بهذه؟ قال نجم الدين من أخلص لله النية رزقه الله المُعين’وفي يوم كان يجلس نجم الدين مع شيخه في احد مساجد تكريت فأتت فتاة من وراء الستارفقام الشيخ يكلم الفتاة فسمع نجم الدين الي حوار الفتاه مع الشيخ وهو يقول لها لماذا رفضتِ الشاب الذي ارسلته لكِ بالامس’ فقالت الفتاه ونعم الشاب هو من الجمال والمكانه ولكن هو لايصلح لي’فقال لها الشيخ وماذا تريدين؟ فقالت له أريد شابا ياخذ بيدي الي الجنة وأنجب منه ولدا يكون فارسا يعيد للمسلمين بيت المقدس(هي دي اللي بيدور عليها نجم الدين وهي نفس الجملة التي يقولها يرفض بنت محمد بنت ملك شاه وبنت نظام الملك وهذه الفتاه ترفض الشاب الغني لانها تريد شاب تنجب منه ولدا يعيد للمسلمين بيت المقدس) فقام نجم الدين ونادي علي الشيخ وقال إني اريد ان أتزوج هذه الفتاه فقال له الشيخ هذه فقيرة وانت الوالى الغني فقال اني اريدها لأنجب منها ولدا يكون سببا في تحرير بيت المقدس.وتزوج نجم الدين من الفتاه ست الملك وانجب منها ولدا وهوصــلاح الدّيــن الأيوبي. الذى عندما كان صغيرا، شاهده أباه يلعب مع الصبية فأخذه من وسط الأطفال ورفعه عالياً بيديه وكان أبوه رجل طويل القامة وقال له: ما تزوجت أمك وما أنجبتك لكي تلعب مع الصبية ولكن تزوجت أمك وأنجبتك لكي تحرّر المَسجــد الأقصـَــى وتركه من يده فسقط الطفل على الأرض.. فنظر الأب إلى الطفل فرأى الألم على وجهه فقال له: آلمتك السقطة ؟ قال صلاح الدين: آلمتني ! فقال له: لِمَ لم تصرخ ؟ فقال له: ما كان لـمُحــرّر الأقصى أن يصرخ,… ومرت الأيام وجاءت ثمرة هذا الخيارالطيب بتحرير المسجد الأقصى فعلاعلى يد صلاح الدين رحمه الله ورحم من ربياه .
ومن جميل ما يُحكى أيضا: أن أحد الملوك زوّج ولده ثلاث مرات وفي كل مرة كان الولد يطلق زوجته دون أن يعرف أبوه الاسباب، فطرده أبوه من القصر لكثرة الطلاق, فخرج الشاب من المدينة للبحث عن عمل فوجد عملا’ راعي أغنام في إحدى المزارع البعيدة ’واعجب صاحب الغنم بالشاب كثيراً،وكان لصاحب الغنم بنت وحيدة قال سأطلب منها أن تتزوج به لكي يبقى معنا،فعرض الزواج على إبنته فقالت لن أتزوج به حتى تسافرمعه لتعرف حقيقته,فقال الرجل للشاب لاتخرج بالغنم غدآ ,سنسافربضعة أيام لقضاء حاجة, فسافرا معاًوفي الطريق مرواعلى غنم فقال الشاب(ماأكثرها وماأقلها) فتعجب الرجل ولم يردعليه، فمرواعلى غنم أخرى فقال الشاب(ماأقلها وماأكثرها) فقال الرجل في نفسه أنه غبي لذلك طلبت مني إبنتي السفر معه’ ومروا على مقبرة فقال:(فيكِ الأحياء وفيكِ الأموات) ومروا أيضاعلى بستان جميل فقال الشاب(لا ادري إن كان هذا البستان أخضرأم يابس) فتعجب الرجل كثيرآ ولم يتكلم ودخلوا على قرية وطلبواالماء للشرب فأعطوهم الحليب(فشرب الشاب وأعطى للرجل بعده) ثم دخلوا قرية أخرى طلباً الماء، فأعطوهم ماء (فأعطى للرجل أولاً ثم شرب هو) قال الرجل في نفسه لم يحترمني في الحليب،وأماالماء فأعطاني أولاً’ وقال الرجل لن اُزوجه ابنتي فالسفر يكشف الناس على حقيقتها وعادا من السفروقص الرجل كل شيء على ابنته’ فقالت البنت لأبيها أنه (نِعم الرجل)فقال الأب كيف ذلك قالت البنت: الغنم الأولى(فيها الكباش أكثرمن النعاج )والغنم الثانية(فيهاالنعاج أكثرمن الكباش) والمقبرة (فمن ترك ذرية فهوحي ومن لم يترك فهو ميت) والبستان(إن كان صاحبه عمله بماله فهو أخضروإن كان بالدَين فهويابس)أما الحليب (فعند وضعه في الإناء ينزل الحليب ويصعد الماء وهو شرب الماء وأعطاك الحليب) وأما البئر(فالماء الصافي يصعد للأعلى فاعطاك أنت أولاً) فزوجها له، وعند دخوله عليها وضع يده على رأسها وقال لمن هذا الرأس ؟ فقالت: كان رأسي وأصبح رأسك. فقال لها: تهيئي للسفر، فأنا لست براع الغنم أناملك ابن ملك خرجتُ للبحث عنك.
ثانيا : حسن المعاشرة والتوسط بين الافراط والتفريط فى التعامل :
فالذي يدقق النظر في الواقع الذي تعيشه بعض الأسراليوم في مجتمعنا، يجد أن هناك فئة من الأزواج على طرفي نقيض بين إفراط وتفريط في تعاملهم مع زوجاتهم ونتج عن هذا الطرف وذاك نتائج وخيمة أحدثت شرخاً في الأسرة المسلمة’ الطرف الأول:وهم الذين أطلقوا للزوجة الزمام وتركوا الحبل على الغارب, فغرقت المرأة في بحر الشهوات وأهدرت كرامتها بيدها, وهذا لاشك مخالف لمبدأ القوامة الذي أعطاه الله للرجال فقال عز وجل:(الرجال قوامون على النساء) وقال:(وللرجال عليهن درجة)البقرة228. وذلك لكي يمنع التسيب والتنصل من المسؤولية في الأسرة المسلمة وكم من المشكلات نشأت من هذا التفريط وكم من الأسر تفككت نتيجة لهذه المعاصي.أما الطرف الثاني: فهم الذين أهانوا الزوجة وتعدواعلى حقوقها،وارتكبوا بحقها أخطاء منكرة ومنها الغلظة والرعونة وعدم التلطف مع الأهل وغيرها…(ممالا تقرهم عليها الشريعة التي أعطت للمرأة كرامتها وأعلنت منزلتها) مما يجعل الحياة بين الأسرة جحيما, ولنا في حديث أم زرع الطويل الذي روته أمنا عائشة رضي الله عنها بتمامه،خيرمثال حيث قصت على نبينا صلى الله عليه وسلم ما كان من خبر إحدى عشرة امرأة تجمعن ذات يوم واتفقن على أن يصفن طبيعة علاقتهن بأزواجهن وألايخفين شيئاً منها،فاسترعت انتباه النبى وعلَّق عليها في نهايتها, والمتأمل فيه يدرك جيداً ما تضمنه من إرشادات توجيهية وإصلاحية لتحسين العلاقات الزوجية،فهو يُسلط الضوء على ما تنجذب له المرأة وما تنفر منه من صفات في شريك حياتها استناداً إلى واقع حياة أحدعشر امرأة،وكان أكثرالعيوب التى ذكرنها فى سوء العشرة’ ونحن في أمس الحاجة إلى مثل هذه الدروس لإعادة الدفء الذي حل محله البرود في البيوت. قَالَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:“جلست إحدى عشرامرأة، فتعاهَدْنَ وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبارأزواجهن شيئاً’ فقالت الأولى:(زوجي لحم جمل غث،على رأس جبل وعر لاسهل فيرتقى ولا سمين فينتقى…) فابتدأت المرأة الأولى الكلام عن زوجها ردئ الصفات والذى شره أكثر من خيره وهي تريد بهذا الوصف إظهار ما تقاسيه مع زوجها من سوء معاملته لها وتكبره عليها بالرغم من أنه ليس له ميزة تُذكر؛ فهو بخيل وسيء الخلق وسيء المعشر،وحتى أنها إذا أرادت أن ترضيه تكون كمن يتكبد مشقة صعود جبل عالٍ غير ممهد ثم يعود صفر اليدين، وهذه الصفة المذمومة ملموسة واقعاً في بعض الأزواج, فهناك بعض الناس هكذا، إذا أردت أن ترضيه تبذل جهداً عظيماً حتى يرضى عنك، فأخلاقه وعرة كوعورة الجبل، وهي تصف زوجها بهذا.وكذلك قـالت الثالثة مع اختلاف فى الالفاظ:(زوجي العَشَنّق، إن أنْطِقْ أُطلَّق، وإن أسكت أُعَلَّق). وكذلك قالـت السابعة:(زوجي عَياياءُ أوغياياءُ طباقاء، كلُّ داءٍ له داء، شَجَّكِ أوفَلَّكِ، أوجمع كُلاً لَكِ).وهذه نمازج لايحبها الاسلام وسنفرد مقالا نشرح فيه الحديث بالتفصيل إن شاء الله. ولكن أفضل الرجال فى الاسلام هو من تأنس معه زوجته وتجد في صحبته الطمأنينة والأمان، قال صلى الله عليه وسلم:”أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم”. وروى الترمذي بسند فيه انقطاع:” أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً،وألطفهم بأهله “. وليس أفضل مثال على هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان يُجالس زوجاته ويستمع إلى قصصهن وشكاويهن، ويحل ما يحدث بينهن من مناوشات وإشكالات بهدوء وحكمة ولطف ويحث على حسن التعامل مع النساء في أكبر تجمع للمسلمين في حجة الوداع حيث يقول:”استوصوا بالنساء خيراً” بل الأمر بالعشرة الحسنة، والمعاملة بالمعروف للمرأة أكبر من أن يؤكد عليها برسالة فقط، فنزل القرآن آمراً بها ومخلداً لها إلى قيام الساعة قال الحق عز وجل:(وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) النساء19 . ولذلك فالمرأة الرابعة فى حديث ام زرع مدحت زوجها وأثنت عليه ثناءً جميلاً بسبب جمال أخلاقه، فقالت:“زوجي كَلَيْل تُهَامة” أي أنها لم تر منه أي سوء أوأذى، ووصفته بهذا لأن ليل تهامة مشهور باللطف والصفاء،وأنه معتدل ليس بارداً ولا حاراً ولا يملّه أحد، وهوما أوضحته بقولها:“لا حر ولا قر ولا مخافة ولاسآمة” والمُراد أنها تريد إظهار حسن معاشرته لها ولطفه معها، فهو رفيق بها، لَيِّن الطبع،ليس فيه شدة، وأيضاً ليس بارداً عديم الإحساس، لا تخشى منه سوءاً حتى وإن أخطأت،ولا تملّ صحبته ولا الحديث معه ولاهو يمَلُّها كذلك، فهي معه في راحة ومأمن ولذة عيش.وكذلك قالت الثامنة مع اختلاف الوصف في مدحه:(زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب)أي: ناعم البشرة، ناعم الملمس، كجلد الأرنب، رفيق رقيق(والريح ريح زرنب) والزرنب: نبات طيب الرائحة،وهذا أدب ينبغي أن نتعلمه، فينبغي على الرجل والمرأة أن يحرصا على أن تكون روائحهما طيبة، فمن الأشياء المنفرة التي هدمت بيوت بسببها هذا الموضوع والرسول عليه الصلاة والسلام كما رواه الإمام مسلم عن شريح بن هانئ قال:قلت لـعائشة:( بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك ) وهذا نوع من إزالة الرائحة الكريهة التي يمكن أن تكون في الفم، فالإنسان ينبغي عليه أن يحرص على هذا، فهذه المرأة تمدح زوجها بأنه طيب العشرة، ولم يفتها أن تصفه بطيب الرائحة.
وما يقال للرجل يقال أيضا للمرأة من الطاعة المبصرة للزوج وحسن المعاشرة: فإن حق الزوج على زوجته عظيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لو كنت آمراً أحداً أٍن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها” ولذلك قالت عائشة أم المؤمنين تعظ النساء:”يا معشر النساء لو تعلمن بحق أزواجكن عليكن لجعلت المرأة منكن تمسح الغبارعن قدمي زوجها بخد وجهها”. وأول هذه الحقوق الطاعة في غير معصية الله، وحسن عشرته وعدم معصيته فقد قال عليه الصلاة والسلام:”اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما:عبد آبق من مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع”. قيل يا رسول الله أي النساء خير؟ قال:” التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولامالها بما يكره”. وقال صلى الله عليه وسلم:”المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، فلتدخل من أي أبواب الجنة شاءت” هذا فى الأخرة أما فى الدنيا فستظلل السعادة بيتها ولاتغيب عن اسرتها’ ففي لقاء مع عجوز أمضت مع زوجها 50 عاماً وكانت سعيدة ..! فسُئلت عن سر سعادتها الدائمة خلال ال 50 عاماً’هل هي المهارة في إعداد الطعام ؟ أم الجمال؟ أم إنجاب الأولاد ؟ أم غيرذلك ؟ فقالت العجوز: الحصول على السعادة الزوجية بعد توفيق الله تعالى بيد المرأة’ فالمرأة تستطيع أن تجعل من بيتها جنة ، وتستطيع العكس ولا تقولي المال! فكثير من النساء الغنيات تعيسات، ويهرب منهن أزواجهن. ولا الأولاد فهناك من النساء ينجبن 10 ذكور، وزوجها لايحبها وربما يطلقها والكثير منهن ماهرات في الطبخ ، ومع ذلك تشكو سوء معاملة زوجها.. فتعجبت المذيعة .. وقالت إذن ماهوالسر؟ قالت العجوز: عندما يغضب ويثور زوجي كنت ألجأ إلى الصمت المطبق بكل احترام مع طأطأة الرأس بكل أسف’ وإياك والصمت المصاحب لنظرة سخرية فالرجل ذكي ويفهمها. ثم قالت المذيعة : لماذا لا تخرجين من غرفتك ؟ فقالت العجوز: إياكِ فقد يظن أنك تهربين منه ولاتريدين سماعه عليكِ بالصمت والموافقة على جميع ما يقوله حتى يهدأ. ثم بعد ذلك أقول له: هل انتهيت ؟ ثم أخرج لأنه سيتعب ويحتاج إلى الراحة بعد الصراخ فأخرج من الغرفة ، وأكمل أعمالي المنزلية .. فقالت المذيعة : ماذا تفعلين بعدذلك؟هل تلجئين إلى أسلوب المقاطعة ولاتكلميه لمدة أسبوع أوأكثر؟ فأجابت العجوز لا’ إياكِ فتلك العادة السيئة سلاح ذو حدين عندما تقاطعين زوجك أسبوعاً وهو يحتاج إلى مصالحتك سيعتاد على الوضع وربما يرتفع سقف مطالبه إلى حد أنه قد يلجأ إلى العناد الشديد. فقالت ماذا تفعلين إذاً ؟ أجابت: بعد ساعتين أو أكثر أضع له كوباً من العصير أوفنجان قهوة، وأقول له: تفضل أشرب لأنه فعلاً محتاج لذلك، وأكلمه بشكل طبيعي .. فيسألني هل أنتِ غاضبة ؟ فأقول: لا ’ فيبدأ بالاعتذارعن كلامه القاسي، ويُسمعني كلاماً جميلاً. فقالت المذيعة: وهل تصدقينه ؟ قالت : طبعاً لأني أثق بنفسي ولست غبية’هل تريدين مني تصديق كلامه وهوغاضب ولا أصدقه وهو هادئ ؟! فقالت المذيعة: وكرامتك ؟ قالت العجوز: كرامتي برضى زوجي ، وصفاء العشرة بيننا ولا توجد كرامة بين الزوج والزوجة أي كرامة وقد تجردتِ أمامه من جميع ثيابك!!.
ثالثا : الجود وعدم التقتير في النفقة:
نفقة الزوج على زوجته واجبة بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى:(وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) البقرة:233، والمعروف: هوالمتعارف عليه في عرف الشرع من غير إفراط ولا تفريط واستحقت الزوجة هذه النفقة لتمكينها له من الاستمتاع بها، وطاعتها له، والقرار في بيته وتدبير منزله، وحضانة أطفاله وتربية أولاده. وإذا ابتليت المرأة بزوج شحيح بخيل يمنعها حقها في النفقة بغير مسوغ شرعي فلها أن تأخذ من ماله ما يكفيها بالمعروف، وإن لم يعلم الزوج والحديث في صحيح البخاري ومسلم:”أن امرأة أبي سفيان جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، إن أنا سفيان رجل شحيح ،وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهولا يعلم. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”. ولتشجيع الأزواج على عدم التقصير فى النفقة وتشجيعهم على الجود والكرم على الأولاد جعل الله النفقة على الزوجة وألاولاد صدقة، فقال صلى الله عليه وسلم:”إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة” وقال أيضاً:” أفضل دينار: دينار ينفقه الرجل على عياله” وقال:”أنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أُجرت عليها حتى ما تجعل فى فم أمرأتك” والحقيقة أن السخاء يغطي كل عيب، كما أن البخل لايظهر حسنة، فالبخيل ليس له حسنة، والكريم ليس له عيب’ وفى حديث ام زرع أكثرمن مدحن وأثنين على أزواجهم كان ثنائهن بسب كرمه وجوده فقالت التاسعة وهى تُثنى على زوجها وتمدحه:(زوجي رفيع العماد، طويل النجاد،عظيم الرماد، قريب البيت من الناد)والمعنى: زوجى طويل ذو هيئة حسنة، فالنجاد: هو جراب السيف،وقولها(عظيم الرماد): إشارة إلى كرمه،أي: لكثرة ما يشوي للضيوف من اللحم ويطبخ لهم صارعنده رماد كثير، ومن الأدلة على كرمه: أنه (قريب البيت من الناد) والناد: هو منتدى الجلوس، فهو يعرض نفسه لأقرب مكان لمنتدى الناس فليس بيته في آخر البلد لأجل أن يفر من الضيفان؛ بل بيته بجانب النادي، وأي أحد يقصده على مدار الوقت،كأنما قيل لها: ما دليل كرمه؟ فقالت: لأنه قريب البيت من الناد . وكذلك قالت العاشرة مع اختلاف الوصف:(زوجي مالك، وما مالك مالك خير من ذلك له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح إذا سمعن صوت المزهرأيقن أنهن هوالك) وكذلك قالـت الحادية عشر: زوجي أبو زَرْع، وما أبو زَرْع؟ أناسَ من حُليِّ أُذُنَيَّ، وملأ من شَحْمٍ عَضُديَّ، وبَجَّحَني فبَجَحْتُ إليَّ نفسي، وجدني في أهل غُنيمةٍ بَشَقٍ، فجعلني في أهل صَهيلٍ وأَطيطٍ، ودائِسٍ ومُنَقٍّ، فعنده أقولُ فلا أُقَبَّحُ، وأرقدُ فأتصبّحُ، وأشربُ فأتقَمَّحُ، الى أن قالت …فَلقي امرأةً معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خَصْرها برمَّانتين، فطلَّقني ونكحها، فنكحْتُ بعده رجلاً سَريَّاً، رَكِبَ شَرياً، وأخذ خَطِيَّاً، وأراح عليَّ نَعَماً ثَرِياً، وأعطاني من كل رائحةٍ زوجاً، وقال: كلي أم زرع! وميري أهلك، فلوجمعتُ كل شيء أعطانيه ما بَلَغ أصغر آنية أبي زرع. قالت عائشة رضي الله عنها: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كنتُ لكِ كأبي زرعٍ لأم زرعٍ” وزاد النسائي في روايته:“ولكنِّي لا أطلقك”.
ويقابل ذلك من المرأة شكر الزوج على جميل صنيعه:
وعدم نسيان فضله فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله ولقد قال صلى الله عليه وسلم:” يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار! فقلن : يا رسول الله ولم ذلك؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير” وكفران العشير جحود فضل الزوج وعدم القيام بحقه. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:” لا ينظرالله إلى امرأة لا تشكر زوجها وهي لا تستغني عنه” ومن جميل ما ذكرفى هذا الباب أن رجلا أقسم بأن لا يتزوج حتى يشاور مائة رجل متزوج ’ فشاور تسعة وتسعين وبقي عليه واحد فعزم أن أول من يلقاه في الغد يشاوره ويعمل برأيه. فلما أصبح وخرج من منزله لقي مجنونًا راكبًا قصبة فاغتم لذلك(للعهد الذي قطعه على نفسه) ولم يجد بدًا من الخروج من عهده فتقدم إليه فقال له المجنون: احذر فرسي كي لا تضربك فقال له الرجل: احبس فرسك حتى أسألك عن شيء’ فأوقفه فقال: إني قد عاهدت الله تعالى أن أستشير مائة رجل متزوج وأنت تمام المائة وكنت عاهدت نفسي أن أشاور اليوم أول من يستقبلني ، وأنت أول من استقبلني فإني أُريد أن أتزوج فكيف أتزوج فقال له المجنون: النساء ثلاثة: واحدة لك’ وواحدة عليك ’ وواحدة لا لك ولاعليك. ثم قال: احذر الفرس كي لا تضربك ومضى’فقال الرجل: إني لم أسأله عن تفسيره ؛فلحقه فقال: يا هذا احبس فرسك فحبسها،فدنا منه وقال: فسره لي فإني لم أفهم مقالتك ’ فقال:أما التي لك فهي المرأة البكر فقلبها وحبها لك ولا تعرف أحدًاغيرك إن أحسنت إليها قالت: هكذا الرجال وإن أسأت إليها قالت: هكذا الرجال. وأما التي عليك، فالثيب ذات الولد تأخذ منك وتعطي ولدها وتأكل مالك وتبكي على الزوج الأول. وأما التي لا لك ولاعليك ، فالثيب التي لا ولد لها إن أحسنت إليها قالت هذا خير من ذاك ، وإن أسأت إليها قالت: ذاك خير من هذا فإن كنت خيرا لها من الأول فهي لك وإلا فعليك’ ثم مضى ؛ فلحقه الرجل فقال له: ويحك تكلمت بكلام الحكماء وعملت عمل المجانين! فقال: يا هذا إن قومي أرادوا أن يجعلوني قاضيًا فأبيت فألحوا علي فجعلت نفسي مجنونا حتى نجوت منهم .
والقناعة بمعيشة زوجها:
فالمرأة المسلمة ترضى بما يقسم لها قل أوكثر فلا تطلب من زوجها مالا يستطيع عليه أومالا تمس الحاجة إليه وقد ورد في الأثر:”أعظم النساء بركة، أيسرهن مؤنة”. وتأمل أدب نساء السلف رضي الله عنهن فقد كانت إحداهن إذا هم زوجها بالخروج من البيت أوصته وصية .. ما هذه الوصية! تقول له: إياك وكسب الحرام ، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبرعلى النار. وكلنا يذكر المسلمة الملتزمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم التي كان زوجها فقير، وليس لديه إلا جلباب واحد يتبادلاه هما الاثنان في الصلاة، فيصلي أولا في أول الوقت، ثم يعود إليها لتصلي هي أيضا في بيتها..مرة واثنين وفي الثالثة سأله النبي صلى الله عليه وسلم عما يحمله على الإسراع بالإنصراف بعد الصلاة، فأخبره بأنه ليس لديه وزوجته إلا هذه الجلباب الذي يصليا فيه يصلح للصلاة، وما عدا ذلك يقعدون بأي شيء في البيت، لكن لا يصلح أن يصليا فيها فهو فقيرمحتاج، ففتح النبي صلى الله عليه وسلم باب التبرع فذهب الصحابة مباشرة، من يأت بملابس ومن يأت بنقود..فتأخر الرجل عن زوجته، ولكنه عاد إليها بصرة، يقول لها: خذي.. فقالت له: يا عبد الله يرحمك الله ما الذي أخرك؟ فقص لها ما حدث، فلم تفرح بما جاء به وعمله. بل قالت: يا عبد الله يرحمك الله، أوتشكو الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم..أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس معنا..فانظر إلى المرأة الصالحة القنوعة. وإبراهيم عليه السلام عندما زار ابنه إسماعيل طرق عليه الباب، فلم يجده، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن بضيق وشدة، فشكت إليه. فقال إبراهيم عليه السلام: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيرعتبة بابه وعندما جاء إسماعيل وأخبرته زوجته بالذي حصل فقال إسماعيل: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، إلحقي بأهلك فطلقها” فإبراهيم عليه السلام رأى أن المرأة التي تشتكي زوجها بهذه الصورة المتشائمة لا تليق أن تكون زوجة لنبي فأمره بطلاقها. فالمسلمة لا تظهرحال بيتها وزوجها إلا لمصلحة شرعية كالتظلم عند القاضي أوالمفتي أومن ترجوا نصحه كما فعلت هند رضي الله عنهاعند الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قالت:إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وأولادي أفآخذ من ماله بغير إذنه؟! فقال صلى الله عليه وسلم :”خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”.
وحسن تدبير شؤون البيت:
ومن حسن التدبير: تربية الأولاد ، ونظافة البيت وحسن ترتيبه ، وإعداد الطعام في الوقت المناسب. وأن تضع المرأة مال زوجها في أحسن موضع فلا تُسرف في الزينة والكماليات وتخل بالضروريات’ ويكون لديها اقتصاد خاصة في هذه الأيام، ومعنى اقتصاد؟ ولا تقول أريد هذه وهات هذه، وفلانة جاءت بكذا، وبكذا..لا’ الزوجة المسلمة ليست هكذا،لا تنظر لغيرها لأن ممكن غيرها تجيئ بأشياء أكثر منها، لكن حياتها مع زوجها ليست جيدة،حرمها الله عز وجل من شيء آخر أعطاه للأولى أليس كذلك؟ والتدبير ليس الملابس فقط، وإنما الأكل بالتوفير فلما تعمل أكل تعمل بالمقدار المناسب، حتى لا يفيض الطعام ويرمى في الزبالة..وتأمل في قصة امرأة الحطاب التى قالت: إن زوجي إذا خرج يحتطب فإنى أُحس بالعناء الذي لقيه في سبيل رزقنا،وأحس بحرارة عطشه في الجبل تكاد تحرق حلقي، فأعد له الماء البارد حتى إذا ما قدم وجده، وقد نسقت ورتبت متاعي وأعددت له طعامه، ثم وقفت أنتظره في أحسن ثيابي، فإذا ما ولج الباب استقبلته كما تستقبل العروس عروسها الذي عشقته مسلمة نفسها إليه’ فإذا أراد الراحة أعنته عليها، وإن أرداني كنت بين ذراعيه كالطفلة يتلهى بها أبوها.
رابعا: كتمان الأسرار وستر العيوب:
فقد قال صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذى يفشى سر زوجته:”إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها” يعني العلاقات الزوجية بين الرجل وزوجته وهذا الكلام للأزواج والزوجات على السواء فانت تفضي لزوجتك، وهي تفضي إليك وتنشر السر، فتكون من أشر الخلق عند الله منزلة والعياذ بالله يوم القيامة وحتى النبي صلى الله عليه وسلم يشبه، من يفعل هذا، كشيطان لقى شيطانة فجامعها على قارعة الطريق..وكذلك الزوجة موطن سر الزوج، وألصق الناس به وأعرفهم بخصائصه ولئن كان إفشاء السر من الصفات الذميمة من أي شخص كان، فهو من الزوجة أعظم وأقبح بكثير وهذه مهمة جدا جدا، خاصة العلاقات الزوجية، تكون سر بين الرجل وزوجته يندفن معهم ولا أحد يعرفه أبدا، ولهذا ربنا سبحانه لما وصف المؤمنات بالصلاح في سورة النساء قال:”والصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله..” فقانتات: طائعات لله. وحافظات للغيب: يعني تحفظ أسرارزوجها ولا تقل السرالذي بينها وبينه، فالعلاقات هذه أسرار، فإن مجالس بعض النساء لا تخلوا من كشف وفضح لعيوب الزوج أوبعض أسراره؛ وهذا خطره جسيم وإثمه عظيم؛ ولذلك عندما أفشت إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم سراً من أسراره مع أنه ليس فى العلاقة الزوجية ومع ذلك جاء العقاب صارماً فقد آلى الرسول صلى الله عليه وسلم على نفسه ألا يقربها شهراً كاملاً وأنزل الحق عز وجل بهذا الحدث قرآناً فقال:(وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً، فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض….الآيات)التحريم .
خامسا : التغافل وعدم تلمس الزلات وتتبع العثرات :
على الزوج أن يتحمل ويتغاضى عن تقصير زوجته في بعض حقوقه وتباطئها في تنفيذ بعض أوامره وأن لايكثر من المحاسبة،لقوله صلى الله عليه وسلم:”استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً” والحديث فيه فوائد عديدة منها: إن تقويم الإعوجاج يكون برفق حتى لا يكسر، ولا يترك فيستمرعلى عوجه خاصة إذا تعدى الإعوجاج من نقص هو في طبيعة المرأة إلى معصية بمباشرة منكر أوترك واجب. قال ابن حجر: وفي الحديث “سياسة النساء بأخذ العفو منهن والصبر على عوجهن، وأن من رام تقويمها فاته الانتفاع بهن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه،فكأنه قال : الاستمتاع بها لا يتم إلا بالصبر عليها” وانظر الى ما قالت الخامسة فى حديث ام زرع وهى تثنى على زوجها:(زوجي إذا دخل فهِد، وإذا خرج أسد، ولا يسأل عما عهد) يقولون: من طبع الفهد أنه كثير النوم،وهذه المرأة تمدح زوجها وتقول:(إذا دخل فهد) فوصفته بالغفلة؛ لأن الفهد موصوف بالغفلة وكثرة النوم ثم أردفت تقول: ولا تظنوا أنه مغفل في وسط الرجال؛ بل(إذا خرج أسد) أي: كالأسد، فوصفته بأنه يتغافل عما يكون في البيت، لكنه إذا خرج فهو رجل في وسط الرجال(ولا يسأل عما عهد) وهذا من كرمه وإغضائه فلا يأتي ويقول لها: أنا أعطيتك كذا فأين ذهبتِ به؟ فهذا لاينبغي؛ بل كن كريماً، فربما كانت المرأة مثلاً تعطي بعض الشيء لأهلها، أوتتصدق، أونحو ذلك، فلا تحرجها؛ بل وسع عليها، والرجل الذي يزيد ذكاؤه عن الحد، والذي يتتبع كل صغيرة وكبيرة،رجل متعب جداً، فلا بد من شيء من التغافل ولذلك لماقيل لأعرابي: من العاقل؟ قال:(الفطن المتغافل) يعني: الذي يتجاهل بإرادته، وليس لازماً أن يُعرفها أنه يعرف، ولكنه يتجاهل بإرادته؛ لأن هذا يضيع حلاوة التغافل. فمن أخلاق الزوج الجيد المداراة ولابد للرجل وإن كان سيداً مطاعاً أوملكاً متوجاً أن يداري رعيته والمداراة من خلق المسلم الحاذق، وكم من مشاكل تحصل في البيوت بسبب أن الرجل لا يداري! مع أنه يمكن أن تمر هذه المشاكل بسلام لو أن الرجل تغافل قليلاً، وقد أوصانا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا التغافل فى الحديث السابق, وكذلك عدم سوء الظن والتخوين لأن فى رجل يقولك انا براقبها وآجي ساعات فى وقت مش هو وادخل على الباب مرة واحدة ’ولكن النبي صلي الله عليه وسلم نهى على أنك تعمل كده ’متخونش المرأة وماتحسسهاش بكده دي مراتك أديها الثقة بنفسها فالمؤمن الصالح ينظر بعين صالحة ونفس طيبة للناس ويبحث لهم عن الأعذارويظن بهم الخير بخلاف الشخص السيئ يظن بالناس السوء،ويبحث عن عيوبهم،ويراهم من حيث ماتخرج به نفسه وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فيما يرويه جابر رضي الله عنه قال:”نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً ” وذلك مخافة أن يتخونهم، أويتلمس عثراتهم، ومن تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره أوجوف بيته .

اترك رد

x
%d مدونون معجبون بهذه: